محمد أبو زهرة

1206

زهرة التفاسير

أنه كان مصدقا بكلمة من اللّه ، وتصديقه بكلمة من اللّه اختلف المفسرون في تحرير معناها ، لاختلافهم في معنى : « كلمة » ، فمنهم من اتجه إلى أن كلمة اللّه هو المسيح عيسى بن مريم ، ما قال تعالى من بعد ذلك لمريم : يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ . . . ( 45 ) [ آل عمران ] ويكون المدح في يحيى حينئذ بأنه صدق عيسى وأذعن للحق إذ تبين له ، فلم يكن من المعاندين الذين يجحدون بآيات اللّه تعالى ، ويكفرون ببيناته ، وسمى عيسى « كلمة من الله » من اللّه ؛ لأنه نشأ بكلمة منه سبحانه ، ومن المفسرين من قال إن المراد من كلمة اللّه تعالى كتابه ؛ وذلك لأنه تطلق الكلمة ويراد منها الكلام ، وذلك من هذا القبيل ، والظاهر عندي هو الأول ؛ لأنه في هذا المقام ذكرت كلمة اللّه على أنها المسيح عليه السلام ، والاسم المكرر في مقام واحد تكون فيه وحدة المقام دليلا على وحدة المسمى . وكان في هذا التعبير إيذان بأن ولادة المسيح ستكون قريبا من ولادة يحيى وفيه إيماء إلى أن زكريا نبي اللّه قد أوتى علما بأن المسيح عهده قريب . والوصف الثاني من أوصاف يحيى : أنه سيد ، والسيد فيعل من السيادة ، وهي الشرف والتفوق والعلو ، وتبتدئ السيادة بسيادة الإنسان على نفسه بأن يملك زمامها ، ويضبطها ويأخذ بعنانها ، فلا تذل ، ولا تتكبر ولا تجمح ، ولا يزال يترقى في معنى السيادة من ضبط النفس والعلو عن سفساف الأمور ، والاستغناء عما في أيدي الناس حتى يفوق الناس . وإنه يروى أن أعرابيا مر بالبصرة ، فسأل من سيد هذا المصر ؟ فقيل له : الحسن البصري فقال : وبم ساده ؟ قيل استغنى عما في أيدي الناس ، واحتاج الناس إلى ما في يده ، فقال : ذلك هو السيد حقا . فكلمة السيد في النص القرآني الكريم تتضمن كل معاني السؤدد ومكارم الأخلاق . والوصف الثالث : أنه حصور . وأصل الحصر معناه الحبس ، والمراد أنه حبس نفسه عن الشهوات ، حتى لقد روى أنه امتنع عن النساء زهادة واستعفافا ، واتجاها إلى الروحانية . وقيل إنه كان لا يأتي النساء عجزا ، وذلك غير صحيح ، والحق أنه